سيد محمد طنطاوي

34

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

قال القرطبي : والذرع مصدر ذرع . وأصله أن يذرع البعير بيديه في سيره ذرعا ، على قدر سعة خطوه ، فإذا حمل عليه أكثر من طاقته ضاق عن ذلك ، وضعف ومد عنقه . فضيق الذرع عبارة عن ضيق الوسع . . . وإنما ضاق ذرعه بهم ، لما رأى من جمالهم ، وما يعلمه من فسوق قومه . . » « 1 » . أي : وحين جاءت الملائكة إلى لوط - عليه السلام - ورآهم ، ساءه وأحزنه مجيئهم ، لأنه كان لا يعرفهم ، ويعرف أن قومه قوم سوء ، فخشي أن يعتدى قومه عليهم . وهو لا يستطيع الدفاع عن هؤلاء الضيوف . والتعبير بقوله - سبحانه - * ( وضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً ) * : تعبير بليغ ، وتصوير بديع لنفاد حيلته ، واغتمام نفسه ، وعجزه عن وجود مخرج للمكروه الذي حل به . و « ذرعا » تمييز محول عن الفاعل ، أي : ضاق بأمرهم ذرعه . ولاحظ الملائكة - عليهم السلام - على لوط قلقه وخوفه ، فقالوا له على سبيل التبشير وإدخال الطمأنينة على نفسه ، يا لوط : * ( لا تَخَفْ ولا تَحْزَنْ ) * أي : لا تخف علينا من قومك ، ولا تحزن لمجيئنا إليك بتلك الصورة المفاجئة . ثم أفصحوا له عن مهمتهم فقالوا : * ( إِنَّا مُنَجُّوكَ وأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ ) * . أي : إنا منجوك وأهلك المؤمنين من العذاب الذي ننزله بقومك ، إلا امرأتك فسيدركها العذاب مع قومك ، وستهلك مع الهالكين بسبب تواطئها معهم ، ورضاها بأفعالهم القبيحة . ثم أخبروه بالكيفية التي ينزل بها العذاب على قومه فقالوا : * ( إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلى أَهْلِ هذِه الْقَرْيَةِ رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ ) * . والرجز : العذاب الذي يزعج المعذب به ويجعله في حالة اضطراب وهلع . يقال : ارتجز فلان ، إذا اضطرب وانزعج . أي : إنا منزلون بأمر اللَّه - تعالى - وإرادته ، على أهل هذه القرية - وهي قرية سدوم التي كان يسكنها قوم لوط - * ( رِجْزاً مِنَ السَّماءِ ) * أي : عذابا شديدا كائنا من السماء ، بحيث لا يملكون دفعه أو النجاة منه ، بسبب فسوقهم عن أمر ربهم ، وخروجهم عن طاعته . ثم بين - سبحانه - أن حكمته قد اقتضت . أن يجعل آثار هؤلاء الظالمين باقية بعدهم ، لتكون عبرة وعظة لغيرهم فقال : * ( ولَقَدْ تَرَكْنا مِنْها آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ) * .

--> ( 1 ) تفسير القرطبي ج 9 ص 74 .